الرئيسية

المنتديات

قصص أدبية

الشعر العربي

 

 

 

 

     

 

الحياةُ عُقْب سيجارة

للقاص : يحيى سبعي


حجرة كئيبة .. يسري النور منها خاملا .. خيوطه تتعرج من برد الشتاء الذي تسلل من تحت عقب الباب .. من النافذة ليسكن ويرقص تحت غطاء الليل وعلى مشهد من إحساسه .

ساعات الليل تتساقط على رأسه كقطع الفولاذ وهو جالس على فراشه .. مهشماً .. يبحث عن الحياة بين أوراق قديمة يقلبها .. فيحرق تلك ، وتلك تحرقه ..

نخر جيبه وأخرج سيجارة .. أحرق رأسها بعود ثقاب أودع نصفه بين أسنانه .. ثم قبّل السيجارة بلوعة كبيرة .. ورمى بجثته إلى الخلف عله يغيب في الخيال قليلاً .
قطار الحياة كان يلتهم أمتار عمره .. يسبقه في ضجة " سكون " الليل ! .. تتساقط أوراق رمادية هشة من بين أصابعه الشاحبة .. يسأل بعمق (لماذا حياتي رتيبة ؟ ) ويعود من جديد لاماً هامات الشموخ المنكسر .. ليستبد في الانطواء .. يقول : يجب أن أعيش حياتي بكل حرية .. انطلق ، امتلك ، أعيش العمر بلا خضوع!!

وفي الحقيقة كان يبعثر بثواني العمر دون التقيد بقواعد المألوف . إن التزامات "هذا" الزمن لا تعنيه .. لقد تخطى حدود الرؤيا ، وغداً يلامس سنى الجنون .. صدئت حياته وانتهت بكل ما فيها ، إنه صاحب دمعة وحيدة في الظلام .. رحل والداه منذ ثماني سنوات مضت ، وهكذا اصطدم بواقع الحياة ذات الوجه القبيح ـ في رأيه ـ وكل ما يملكه هو هذا البيت الصغير ـ بحي العود ـ الآيل للسقوط .. وتلك المزهرية القديمة التي كان يعتني بها والده الراحل .

لقد طالت السنون وهو يعيشها متعثراً في التعليم .. هذه سنته الأخيرة بالثانوية العامة .. وبعدها سوف يحال للطرد .. اتكأ على القادم من العمر وصاحبه الخذلان مع الفشل في تلك الخوالي إلى أن ...

في رحلته تلك إلى الأمس .. غلبه الغالب ونام بعد تحليق لم يكلل بالنجاح .

صباحاً .. نهض متثاقلاً وحمل كتباً متناثرة هنا وهناك .. جلس على ناصية المقهى ليتناول كوباً من الشاي.. على سيجارة كل صباح .

في منتصف النهار عاد خالد وألقى بكتبه الرثة على سرير متداع .. غرز عقب سيجارة بإصبعيه في مزهرية والده التي قد اعتلت طاولة خشبية متهالكة ، فقدت رجلها الرابعة فاستندت على جانب ذلك السرير الذي أحدث صريراً حينما هزته الكتب. أخذ بيد الباب بعد أن داس فراش نومه الملقى على الأرض ، بينما كانت يده الأخرى تبحث في جيبه عن سيجارة جديدة .

هذا اليوم دعاه صديقه للغداء ، توقف عند باب المنزل .. ابتسم ابتسامة يابسة ، وبلا اكتراث سأل نفسه: ( والعشاء أين؟) .. لم يدم طويلاً على حاله تلك حتى ألقى تحت قدمه سيجارة لا فائدة منها تدرك .. ثم غدا لغايته .

عند الرابعة عصراً اتجه نحو كشكه الحقير المواجه للهاتف العمومي.. قبل عام استدان قيمة هذا الكشك وأسماه كشك ( الْعَود ) ـ على غرار حيه العتيق ـ يبيع فيه المرطبات ويصرف للناس العملة المعدنية.

جلس هذا المساء دون فائدة .. فالهاتف لا يعمل وقد ذهب بالأمس للمصلحة وأخبرهم بالأمر .. وحتى الآن ما زالت شكواه تحت غبار الرف ! ..
أحياناً نولي لبعض الأمور شيئاً من الاهتمام لا لأهميتها لدينا ولكن لمصلحتنا الشخصية البحتة.
مرت ساعات طوال عليه وهو يقلب شعر رأسه ويقول: ( قالوا إن العمر يجري إذا ما رأيت الشيب ظاهراً وهاهو الشيب، وما زال العمر راسباً في أعماقي ، ولم يتغير شيء سوى أنني غداً سوف أغسل ثوبي هذا و أقلم أظافري و .. أقلم أظافري .. و .. " بس ")!.

جاء يوم غد واليوم الذي يليه وهو مازال يردد قوله ذاك .. (سوف أغسل ثوبي .. و .. أقلم أظافري و.. " بس " ! ؟).

عاد حين الغروب هارباً من الليل ، ليعيش ظلمة تسكن داره منذ أن قطعت الكهرباء ، عاد وأشعل الفانوس ، ثم مضى ليغرق وجهه بالماء الذي لم يجد منه قطرة .. لقد نسي الصنبور مفتوحاً منذ ذهابه للمدرسة صباحاً ! .

بسخرية ظاهرة ابتسم ! .. نظر إلى آفاق صدئة ثم سأل شبحه المتعب هو الآخر: (هل هذه هي حياة الهزل ؟ ) . ينحني قليلاً .. علّه يجد قطرة يعلقها في الجفن الأيسر .. وتكتمل صورة الحزن .. مع دمعة هي الآن تهمُّ بالمسير على الخد الأيمن . لم يجد مراده .. شد قامته .. ابتسم ثانية .. إنه يسخر من الجميع ويصرخ وحيداً : ( أنا أفضل منكم .. أنا..) .. يقهقه عالياً .. ثم غرب خارج المنزل ليدخل في الليل جاراً خلفه خطوات ثقيلة .. تنير دربه جمرة سيجارته التي لا تنتهي .

جلس على ناصية المقهى .. الظلام أمامه .. والأفكار تتعارك .. بالأمس كان مطلقاً ذقنه وشاربه .. هذا الليل يستند على عمود النور بدونهما .. يمد خرطوم " الشيشة " لنديم يقابله .. سأله : ( كم باتت الساعة الآن ؟) . أجاب المسؤول : (الثالثة صباحاً ) .
لم يسمع .. انتفض من مكانه .. ترك بعضاً من الأوراق .. وخيوط دخان تتصاعد على وهن هناك .. تتعانق مع نسائم السحر .

كان يردد لصاحب قديم : ( الليل صديق آخر ) .. ويضيف في صمت مسموع : (الليل هو أن تموت!!) .

( الأحد 23/؟/1992م :
أخيراً غدت الأيام .. تقدمت للامتحانات .. وما هي إلاّ يومين وتظهر النتائج في الصحف المحلية .

ملحوظة : أصبحت بائعاً للصحف في دكاني الصغير .. لم أعد أصرف العملة .. الهاتف المجاور انتهى أمره إلى تمديدات سوف تدخل الحي – ولننتظر تلك التمديدات سنوات طوال .. و ...
التوقيع : خالد )

هذا ما كتبه في مذكرته الزرقاء وكتب أيضاً في الورقة اليتيمة عند آخر المذكرة ما يلي :
( الثلاثاء 24/؟/1992م :
حين المساء كعادتي .. عُدتُ محملاً بغبار التفكير . غسلت وجهي ، وقدم واحدة .. سوف أغسل الأخرى فيما بعد .. الماء لا يكفي .

لقد غسلت ثوبي ذاك .. قلمت أظافري .

الآن سوف أستقبل القبلة .. وجه الله حيثما كنت .. سأدعو خالقي أن يوفقني .

غداً النتيجة .

وهذه سيجارة وحيدة تلفها يدي وكأنها النهاية لعادتي السيئة .. سوف أقلع عنها.

آهـ .. نعم تذكرت .. هناك دفتر اسود سوف أكتب فيه ذكريات ما بقي من العمر .

هذه الورقة نهاية هذه المذكرة الزرقاء .
التوقيع :خالد )

عند الصباح كان النسيم يداعب أوراق الصحيفة التي بجوار الكشك فظهر اسمه جلياً أحد الناجحين في الثانوية لهذا العام .

والذي رسم الخطوط العريضة لهذه القصة في مذكرته الزرقاء .. كان يرقد في بيته ذاك ، على سريره ذاك . . .

إنما الطاولة العرجاء قد هوت .. ووقعت المزهرية .. تهشمت .. خرجت منها عشرات .. عشرات أعقاب السجائر ..

ولم يدون في المذكرة السوداء شيئاً .. مطلقا ...

بعيداً عن القرية .... تم!!

العودة لصفحة القصص

الذهاب للرئيسية