|
أقسى من الجرح
للقاص:
علي زعلة
هرش جلده بقوة حتى نزّ الدم قاتماً كالمجهول .. هذه البثور
الخبيثة تحولت إلى أورام متقرحة ، كم راعه منظرها المقزز ،
إنها تشبه صورا كان قد رآها في بعض كتب الأمراض الكريهة ..
أصبح يخلو
بنفسه كثيرا هذه الأيام .. يتخفف من ثيابه ويدّهن ببعض
المراهم والدهانات التي استوصفها من صيدليات متفرقة ! منذ
أشهر وهو يواصل التداوي (دون وصفة طبية ) وليس ثمة تحسن ،
بل إن البثور تضخمت واتسعت رقعتها على جسده .. هو يخشى
زيارة الطبيب ، يستحي .. فالموضع مخجل والمنظر يبعث على
القيء ، رغم أنه يعمل مراقبا صحيا في إحدى المستشفيات ،
وبرغم علاقاته المباشرة مع الأطباء ..لكنه لم يستطع ..لم
يستطع ، لم يساعده حزمه على وضع حد لحالته وإجراء الكشف
لدى واحد من أصدقائه الأطباء .
****
طرقٌ
واهنٌ يهمي على الباب ، جفل .. واندلق شيء من الدّهان على
السرير .. وبحدة أجاب : من ؟
- أنا ،
يا أبي ..
- آه ،
إنها ( هيا) صغيرته الوحيدة ، جرحه الغائر ، طاف بخاطره
صدى صرختها الأولى في منزله .. كانت أملا بعيدا وحلما
بهيجا ، أي فرحة كانت فرحته ؟! وأي ألم أضحى يتوسد شرفات
قلبه ؟! يالخوفه من صدق حدسه .. هل هو داء خبيث ؟ هل هو
مرض معدٍ ؟ هل هو من تلك الأمراض التي ..؟! حتى زوجته التي
أراقت نضارة عمرها الأولى في عشرته واحتمال غيباته الطويلة
عن المنزل ، أشفق عليها من العدوى ، بالأمس رأى في ظاهر
كفها بثورا مثل تلك التي بدأت في جلده أول الأمر .. ترى هل
يكون هو السبب في الجناية على هذه الأسرة الصغيرة الوادعة
؟! أقسى من الجرح اتقاؤه .. أفاق من سكرته على صوتها
يتعالى : أبي أبي .. ارتدى قميصه بسرعة وفتح لها الباب ،
دخلت هيا مصطحبة بعض كراريسها المدرسية ، كان من عادتها
إذا كان أبوها موجودا أن تريه واجباتها وعلاماتها العالية
.. احتضنها بكل ما اكتنـز قلبه من حب وحنان ثم اصطحبها إلى
حجرة المكتب ، جلست أمامه وأخذت تقلب دفاترها بزهو وطموح
.. كانت عينا والدها تجوس خلسة في مواضع من بشرتها العارية
!!
****
هذا
المساء عاد إلى منـزله مثقل الخطو خائر القوى ..
طرق الباب
طرقا عنيفا ، جاءه صوت زوجته متلجلجا :
- طيب طيب
، من ؟
- افتحي
يا امرأة ..
تبينت صوت
زوجها، وبسرعة فتحت الباب ، خطا إلى الداخل ، همّت أن
تسأله عن مفتاحه الخاص به .. صرفها عن ذلك هيئته المبعثرة
، شماغه الذي تدلّى على كتفه ، طاقيته المغروسة في جيب
القميص ، شعره الفوضوي وأزاريره المتهدلة ..
- ما بك ؟
- …..
- أحمد ،
أجبني .. ما بك ؟ ما الذي حدث ؟
بضجر أجاب
: لا شيء ، لا شيء .. ماذا تتوقعين أن يحدث ؟!
- إذن لم
تبدو وكأنك قادم من عراك ؟
أرخى
رئتيه لزفرة طويلة .. وقال لنفسه : فعلاً إنني في عراك ..
عراك عصيب ، أردف لزوجته :
لا تقلقي
يا عزيزتي ، أنا بخير ..! فقط أريد أن أنام ، أنام وحسب ..
عندما جر
قدميه باتجاه حجرة المكتب أدركت زوجته القلقة أنه يريد
النوم وحيدا هذه الليلة أيضا ، عند باب الحجرة توقف ،
التفت إلى زوجته وسأل : هيا .. هل نامت ؟
أومأت
بالإيجاب ثم قالت : لقد انتظرتك طويلا .. كانت تود أن تريك
شهادة تفوقها هذا الشهر . بقوة أدار عنقه ، دخل الغرفة
وصفق الباب بعنف ، فكأنما صفق وجه زوجته المسكينة وقلبها ،
ما به هذا الرجل ؟ منذ شهور وحاله من سيئ إلى أسوء ، لقد
انقطع في الأيام القريبة عن الجلوس معهم على المائدة ..
لقد اعتزلهم تماما ، حتى في المنام ، ما الذي أصابه ؟
تكسرت كل محاولاتها لمشاركته ألمه الذي يبدو ممضّاً ..
دخلت حجرة النوم ، أسدلت الغطاء على وحيدتها وهي تتمتم ..
يا رب .. يا رب ..
****
في مكتبه
، استلقى على أريكته المعتادة وقد ارتسمت على بعض أجزائها
آثار بقع الدهانات والمراهم ، بقع تشبه إلى حد كبير حجم
الندوب التي انغرست في فؤاده ..
كان مغمض
العينين .. في رأسه صدى أسئلة مريرة هوت على جمجمته
كالصواعق في عيادة الطبيب هذا المساء، غالب نفسه واحمرار
وجهه كي ينتزع إجاباته الخجولة .. لم يقلّ جهده أبدا عن
ذلك الذي بذله في سبيل إجراء الفحص الطبي ، بصعوبة بالغة
أراه الأورام المتوالدة في جسده .
عبرت
بمخيلته أحداث بعيدة وقريبة .. عن بلاد الشرق والغرب التي
أسرف في زيارتها .. عن الفنادق .. عن ليالي غرائبية
احتساها حتى بصق نجيعا متخثراً ..
بنظرة
زائغة وقعت عينه على طاولة قريبة منه ، انتصبت على متنها
زجاجات الدواء .. وأنابيب الحقن .. وأشكال مختلفة من
العقاقير ، سحقا لأولئك الصيادلة الذين صرفوها له .. أنفق
في شرائها مبالغ كبيرة .. مع كل دواء جديد بستان من الأمل
يورق في جوانحه ، وبآخر قطراته تذوي كل تلك المساحات
البهيجة .. أطلق صرخة مكتومة ، ركل الطاولة .. فرت الأدوية
، تكسّر بعضها .. اندلقت على أرضية الغرفة .. دوار صاخب
يلفه .. طنين الصمت يعجن في أذنيه عواء مريعا ، خيالات
وأشباح تتراقص في عينيه ، من بين كتل السواد المتمدد في كل
ذرة من كيانه .. كان وجه هيا يطلّ .. صوتها وضحكاتها
الرقيقة تمتزج بأصوات كثيرة لا يميزها ..
****
في الصباح
انطلقت هيا ، بكل جذل الأطفال ، بحقيبتها المعلقة على
كتفها .. بظفائرها المجدولة .. بنظرات الصباح الجديد ..
انطلقت إلى حجرة أبيها لتزرع قبلة الصباح على جبين والدها
وعينيه .. واليوم بالذات لتريه شهادة تفوقها .. طرقت الباب
.. مرة ، مرتين ، لم يجب ، فتحت الباب .. تدافعت خطواتها
باتجاه الأريكة ، نظرت .. فوجدت بقعاً واسعة تغطي الأريكة
.. وورماً بحجم الكف .
العودة لصفحة القصص
الذهاب للرئيسية |