|
بيد الشيطان !
للقاص:
عبدالله آل زايد
كنت أحمل بين يدي صغيرتي ساره .. واشعر أنني مشتت الانتباه
والتصرف .. كل ما يحيط بي ضجيج المدرعات .. وأزيز الطائرات
وأصوات الطلقات .. لم يبقى من منزلي سوى هذه الغرفة التي
تصدعت جدرانها .. كانت ساره تبكي بشدة بعد أن وضعتها على
الأريكة الحمراء المهترئة القابعة في زاوية الغرفة المهددة
بالانهيار.. وجعلت انظر من فتحت في الجدار إثر قذيفة
اخترقته .. فشاهدت جموع من الجند في حركة دائبة متواصلة
يحيطون بمنزلي وقد غدا جزءه الأكبر ركاما بعد عين ..
والمدرعات لازالت تواصل تصويب فوهاتها اللعينة باتجاهي ..
لم أعرف سببا لقسوتهم؟ .. أو كيف أتصرف لإفهامهم أنني
إنسان مسالم جدا جدا؟ .. الصور المؤلمة تتراقص في مخيلتي
.. وذهني يكاد ينفجر من التفكير السريع .. فلا اعلم ما هو
مصير زوجتي الحبيبة وأبني الكبير قيس وطفلي الصغير أمجد ..
وهل قد تمكنوا من الفرار قبل هدم أركان المنزل على رؤوسهم
وهم نيام؟ .. هل كان حظهم أفضل حالا مني ومن ساره ؟ .. أم
أني وطفلتي المحظوظين حتى الآن برغم الحصار الذي يحيط بنا
منذ ساعات ؟..
يعود يغطي هدير صوت طائرة حربية لعينة الأجواء .. فأشعر أن
الأرض تميد بي .. وأسمع صراخ صغيرتي ساره يتعالى .. فأقطع
تفكيري الرتيب الحزين المليئ بالمخاوف والظنون .. فاحملها
وأضمها لصدري بحنان بالغ .. لعلي كنت انشد بين أضلاعها
الرطبة بعض الأمن والسلام .. اتجهت للباب .. فتحته بوهن ..
وتردد كبير .. ويملتئ قلبي بالخوف .. فأتوقف .. إن قدمي لا
تقوى على الحركة من شدة هلعي .. شعرت بيد صغيرتي ساره وهي
تتلمس وجهي .. أنزلت نظراتي نحوها .. لأجد وجها طفوليا
بريئا يشع منه البياض وضحكات طاهرة تغطي أرجاء ضوضاء
السلاح .. فكأنها حوت في تلك اللحظات سعادة الدنيا بأسرها
.
رجعت أضمها لصدري اللاهث .. المتصاعدة منه زفرات ساخنة ..
رفعت رأسي ونظرة باتجاه اليمين فشاهدة مرآة كانت معلقة
بالحائط وقد تساقطت أجزائها .. ولم يتبقى إلا قطعة صغيرة
منها .. رأيت وجهي من خلالها .. فازداد هلعي .. فقد كانت
عيوني متسعة والعرق يتصبب من جبيني .. عندها أرجعت صغيرتي
الحبيبة ساره عند تلك الزاوية حيث أجلستها على الأريكة ..
وتقدمت باتجاه الباب مرة أخرى .. فعادت الصغيرة للبكاء
والصراخ .. نظرت إليها وأنا أقف على عتبات الباب الخارجية
.. قطع تفكيري المتواصل بها .. صوت بلغة مكسرة "أرفخ" أرفع
يديك وتقدم ... واصلت المسير وقد غطاني الخوف على صغيرتي
.. ومصير عائلتي .. وحالة الذل والهوان التي تكسوني ..
صوبت نظراتي لساره مرة أخرى .. كان شوقي لها يتزايد في كل
اللحظات .. فوجدتها لازالت تبكي بحرقة وقد احمر وجهها ..
والدموع تغطي هذا الوجه الطفولي .. أعدت نظري نحو مجموعة
من المدرعات التي تقف أمامي .. لكنني سمعت طلقة نارية ..
وللحظات شعرت ببرودة تجتاح صدري .. وتنتشر نحو كامل كياني
.. نظرة للأرض .. ويا للهول كنت متجها لها .. وفجأة وجدتني
اهبط جاثيا على ركبتي .. وغبار المكان يتطاير من حولي ..
رفعت رأسي .. أحاول أن الوي عنقي لمشاهدة صغيرتي ساره ..
لم أستطع .. شعرت بشيء ساخن على فمي رفعت يدي أتلمسه فشعرت
بلزوجته الساخنة .. لكنني لم أميز لونه .. كل الألوان
تداخلت في عيوني .. ولأول مرة أجد الوجود تجتاحه القتامة
بهذه السرعة .. كان الضوء يتراجع ويتلاشى .. والظلمة تنتشر
بسرعة .. أنزلت رأسي للأسفل قليلا فشاهدت صدري وقد غطي
بالدماء .. حاولت مرة أخرى أن أنظر للخلف لأشاهد صغيرتي
الحبيبة ساره .. لأخر مرة .. لأخر مرة .. كان مطلبي بسيط
.. متواضع .. وكنت حزين بحجم شوقها المتصاعد في بقية
أنفاسي .. كنت كئيب بحجم حبي لها الذي يغطي مساحة روحي
المتوثبة للصعود والانعتاق من جسدي المنتهك برصاصة قيمتها
أقل من ثلاث دولارات.. وفي فوضة حواسي .. في شرودي ويقظتي
.. في هذياني وتعقلي .. وجدتها أمامي كطيف جميل ملائكي ..
بيدها دميتها العتيقة .. تلبس رداءا ابيض كالثلج ..
وتكسوها ابتسامة مشرقة .. وضعت يدي على صدري .. قلت لها
وأنا أبتسم : حبيبتي الصغيرة لو كنت هنا يا ساره لأصابتك
الرصاصة التي لا تميز أبدا يا صغيرتي ! .
لم أعد أشعر بألم منذ تلك اللحظات .. في السماء روحي
ودموعي وأحزاني بيد الله ..
أما في الأرض الملتهبة حقدا وكراهية جسد ساره بيد الأشرار
.. وهناك .. هناك .. بجانب البحر : قلوب لم تحزن.. وعقول
خانت.. وأجساد تلعب.. هي بيد الشيطان !
العودة لصفحة القصص
الذهاب للرئيسية |