|
قبور باردة
للقاص:
مصلح جمـيل
الدور السفلي من مبنى المستشفى يعج بالهدوء، لا شيء يتحرك
إلا قطع من الأوراق عُلقت أمام فتحات التكييف لتبين مستوى
كميات الهواء الخارجة منها، وحدهُ من يتنفس بين الغرف
القليلة الموزعة بشكل جامد، يجلس على كرسيٍ حديدي، يصدر
صريراً مزعجاً عندما يتحرك ويبقى صداه يتردد في الممرات
وبين جدران الغرف، مختلطاً بهمهمات لا يعرف مصدرها، في
الصباح زارهُ اثنان يرتديان الأقنعة ويلبسان القفازات،
اصبحوا ثلاثة يتنفسون ويتحدثون في الطابق رغم أن الأجساد
الموجودة تعد بالعشرات. استلم منهم جسداً جديداً و معه
تقرير امتلئ بالتواقيع والأختام ثم ودعاه وتمتم ببعض
الأسئلة مع الشيء الملفوف بقماش ابيض ومدبسٍ على طرفه ورقة
صغيرة تحمل الكثير من الأرقام والأحرف .
دقق في الأرقام بعد أن وضع الجسد في الدولاب المخصص بكل
رفق، ثم تفقد البقية الذين انتظموا في الدواليب المخصصة
لهم, وقرا بعض الملاحظات التي كتبت على كل دولاب ..
( يعاد إلى المشرحة ، مجهول الهوية ، بانتظار إنهاء أوراق
الجوازت ليشحن إلى بلده ، أوراقه لا تزال في الشرطة
الجنائية... )
يقرا بصوت مرتفع ليقتل وحدته ولكن الصدى يزيده وحشة وخوف،
ورغم أن البرودة في هذه الغرفة قاتلة إلا انهُ أدمنها وعشق
رائحة المكان. قبل أن يخرج أحصى الدواليب الشاغرة لديه،
فوجد دولاب واحد فقط . قال بينه وبين نفسه: من هو سعيد
الحظ الذي سيسبق البقية إلى هنا . أطفأ نور الغرفة فبدا له
صوت المفتاح قويا مزعجا وكأنه سمع أحدهم يصرخ ! أشعل
الأنوار مرة أخرى والتفت إلى الوراء وتفحص الأجساد
المحشورة في الدواليب فوجدها تغط في سبات أبدي، ولا اثر
لأي حركة أو نفس، اغلق النور مرة أخرى وامسك بمقبض الباب
ثم أغلقه بشدة وجلس على مكتب مقابل للغرفة، شعر بمللٍ من
وحدته وتمنى أن يزوره أحدهم ليشاركه الساعات المتبقية على
نهاية عمله، لكن لا أحد يرغب في زيارته إلا لاستلام أو
تسليم الأجساد التي تنتظر الانتقال إلى تحت الأرض أو ربما
ستحرق، فأخذ يقرأ في كتاب استعاره من صديق له منذ أيام (
الإنسان ذلك المجهول ).
قرا صفحتين من الكتاب فشعر بنعاس شديد، وضع الكتاب جانبا و
بدا يحدث نفسه عن أبنائه و عن مشاكلهم و عن احتياجات زوجته
التي لا تنتهي و المدرسة التي أصبحت تكلفه الكثير و
الفواتير الملعونة ..
كره التفكير وحاول أن يشتت هذه الأفكار فقام يتجول بين
الممرات والغرف الفارغة ولكن لا جديد هناك، فقد حفظ كل شيء
في هذا الطابق حتى مفاتيح الأنوار يعرف مواقعها وأعداد
المصابيح في كل ممر، نظر إلى الساعة فوجدها لا تزال تصارع
للوصول إلى الثانية صباحا والجو في الخارج رطب، والعشرات
في الطوابق العلوية يصارعون الموت والمئات يساعدونهم على
البقاء، وهو لا يستطيع المغادرة قبل الثامنة صباحا، فأخذ
ينصت لصوت يشبه وقع أقدام شخص ما في الطابق، فرح به واتجه
إلى المدخل لاستقباله، لكن الصوت يأتيه من كل مكان، حاول
أن يتتبع مصدره؛ وجد بأنهُ يتجه إلى تلك الغرفة، عاد إليها
وفتحها وأشعل الأنوار وبقي يتأمل الدواليب، لا أثر لأي
حركة أو صوت، الهدوء المميت ينبعث من كل مكان في هذه
الغرفة. وقف طويلا فسرت البرودة في جسده والنوم بدا في
دغدغة أطرافه، الأصوات تأتى بشكل متقطع خافت تجعل تفكيره
يتشتت.
حاول جاهداً أن يجد مصدرها، ففتح الدواليب ونظر إليها فلم
يجد إلا السكون ولا شيء يتحرك إلا الأوراق المعلقة بفتحات
التكييف فنظر إلى الدولاب الذي لا يزال شاغرا، ثم اتجه إلى
مفاتيح الأنوار و أطفأها و تمدد في الدولاب ..
العودة لصفحة القصص
الذهاب للرئيسية |