|
العيش خارج الزمن
للقاص: خالد العوض
لقد ضاقت عليك الأرض بما رحبت وضاقت عليك نفسك ولم يعد
هناك ما يمكن أن تقبل العيش فيه حتى لو ذهبت الى أقصى بقاع
الدنيا . كيف يمكن أن تتسامح مع نفسك ومازالت تلك الأحرف
اللعينة تتراقص في رأسك بشكل مزعج يصعب عليك تحمّله . لقد
أدركت الآن أنه لا سبيل الى الخلاص من هذه المصيبة الكبيرة
مهما بذلت جهدك وطاقتك . لقد فات الأوان و خرج الموضوع من
يدك ولا من سبيل لإنقاذ نفسك من هذه النهاية البشعة . كما
أنه لا توجد أية أعمال سابقة تشفع لك أو قد تخفف عليك هذا
الأمر .
تأخذ الورقة وتمعن النظر في
الواقف أمامك . لا ترى شيئا . دوار مفزع . تتمالك نفسك
وتستعيد وعيك . تنظر الى الورقة . تصاب بدوار آخر . يرجع
اليك وعيك . تنظر الى الورقة مرة أخرى . تنتابك حالة من
الضيق الشديد كما لم ينتابك أي ضيق من قبل .
لا تتحمل البقاء في هذا
المكان البغيض أكثر من ذلك . ترميك خطواتك في عرض الشارع .
تتذكر أمّك . تغرورق عيناك بالدموع . تنفجر بكاءا لا يكاد
يسمعه أحد . ينتبه اليك أحدهم . يقترب منك لكنك لا تريد أن
تقترب أنت من نفسك . يدرك أنك في عالم بعيد لا يمكن الوصول
اليه فيجفل منك . تزداد خطواتك هربا من نفسك فيزداد بكائك
مرارة .
لا تدري أين تذهب . بل انه لا
يمكن أن يوجد هناك أي مكان على وجه هذه البسيطة يمكن أن
تذهب إليه . تقفل راجعا من حيث أتيت . تنظر الى اللوحات
المضيئة في الشارع وكأنها تبتلعك . لا تدري ما تفعل . تقف
حائرا وتترك فرصة لدموعك تنساب بحرارة شديدة . تعبر الشارع
. تسمع أصوات إطارات تبكي على الرصيف . يصرخ أحدهم في وجهك
. لا تفهم ما يقصد . تنقلك خطواتك الى حيث لا تعلم .
تجمع نفسك علّك تعي ما يحدث
لك . تستصعب الأمر . تجلس على أريكة في الشارع لا يمكن أن
تجلس عليها قبل ربع ساعة . تضع يديك على رأسك . تحدق في
الأرض طويلا . تحنّ الى الأرض . ضبابية عينيك تحجب عنك
رؤيتها . تغمض عينيك وتبقى هكذا لفترة . وقت تعيشه خارج
الزمن .
أما من سبيل لنزع هذه الروح
من هذا الجسد ؟ لا تتحمل الجلوس أكثر من ذلك . تقف مرة
أخرى . تعاود السير في نفس الإتجاه الذي جئت منه . يتخلى
عقلك عن مسئوليته و يترك ذلك لقدميك تنقلك الى حيث لا يعلم
أحد . تتذكر أمك مرة أخرى . يعاودك البكاء . تتذكر أمكنة
كنت تنام وتستيقظ على مرأى منها . يزداد بكائك .
تفتح الورقة من جديد . أحرف
أربعة لعينة . تبكي . تنظر الى ركن آخر من الورقة .
Positive . تذبحك الكلمة . يتوقف بكاؤك . تمشي و تختفي في
الزحام ..
العودة لصفحة القصص
الذهاب للرئيسية |