|
المـــــلاذ
للقاص: سعد الدوسري
كل الذين حاولوا الاقتراب من مِرجل سرِّها،
تحوَّلوا الى كائنات من الفخار. هي لا تمنح مرساتها لأحد،
لكنهم كانوا مأسورين ببحرها، لذلك خاطروا وامتشقوا عُباب
سفينتها، فغرقوا في الطين الذي يحرسها منهم. هي صامتةٌ كما
يليق بمليكةٍ سرق البرابرةُ عرشَها أثناء غيابها في فتح
كانت تقودُ جيشَه، وحين عادتْ لم يزدن بها احد، فتركت
مملكاتها وفتوحاتها واعتزلتْ في موطنٍ لا يقطُنُه سوى
أشجارٍ لا عمر لها، ولا يبدد سكونَه غير أنّاتِ نهر تبرأتْ
منه المحيطات. كانت تحفر بأظافرها على جذوع الشجر تقويم
عزلتها، وتعزي النهر كلَّ صباح:-
- لا عليك. انكَ تجري من دمي.
فأحبتها الأشجار التي أشرق عمرُها، وأخذ النهرُ ينام على
كتفها كلّ مساء. وصار هذا الموطن مملكةً جديدة، يسودها
الصمتُ الذي لا يبعثره هواءٌ ولا يغيْرُ عليه مطر.
من ذا الذي كان يوشوشني بقصة هذه المليكة المتحجبة من
أنظار الضوء؟! لا. لم أكن أتخيل. كان الصوت واضحاً وضوح
هذا المشهد أمامي بشجره ونهره. كنت قد تخلصتُ للتوّ من
الجلادين الذين كانوا يطاردونني. توَّهتُهم في ثنايا
الصحراء القاحلة، فاضطرّت كلابهم للعودة، ومضيت أنا أبحث
عن ملاذٍ عن الذين أهدروه لأنني رفضت أن أبيعه لهم:-
- إما أن تبيعه أو نسيّحه لك.
- وبكم ستشترونه؟!
- قل أنت كم ثمنه؟!
- بل ثمّنوه أنتم.
- أنت لا ثمنَ لك. لكننا نريد أن نشتريك. نريد أن يعرف
هؤلاء الغوغائيون الذين يسيرون خلف صراخك، بأنك بِعْتَ لنا
صوتَك بسوق النخاسة، وأنك عرضتهم بعد ذلك عبيداً لنا بلا
مقابل.
- لن أبيع.
وكانت هذه الأشجار وهذا النهر وهذه الوشوشات ملاذي.
- من ذا الذي كان يوشوشني عنها؟! وأين هي؟!
نَزَعَت الشمس غطاء الليل عن وجهها، مبتسمة للفجر الذي
انحنى لمقدمها، وسمعتُ العشبَ يغني لخطواتٍ أخفُّ من نبض
قلبي.
- ها هي.
خلعتْ الإزار الذي كان يستُرها، وهبطتْ كنورس الى النهر،
فاستقبلها بأحضان عاشقٍ ناءت به الأرضُ عنها، وسمعته يهمس
لها:-
- صباح المليكات اللواتي ترصعّن بفيروز تساقط من قاع
السماء. أبايعكِ مثل الأمس بصفوِ مائي وبجراح يُتمي الذي
برأتُ منه منذ خطواتكِ الأولى لنا.
وقلتُ لنفسي:-
- هو الذي وشوشني عنها اذن.
زحفتُ الى أن شارفتُ إزارها، ففاح في وجهي عطرٌ طَعَنَ
أقصى رئتيَّ وأحالهما الى سجادة منقوشةٍ بهويتي الهاربة.
حاولتُ أن أمدَّ يدي لألتحف به علّه يطفيء الكلاب التي
نهشتْ طريقي، لكنني آثرتُ أن أستمع لتغريد سباحتها. كانت
مثل سمكةٍ تحتفل بمهرجان الزرقة، تخلط النهر ببياضها،
فتغدو واياه سماويان. أحسُّ النهر هو الذي يسبح بجسدها
المفرط بماء الفتنة، وأنه يغرق بها.
- أأصيح بها، أنجديني؟!
لكنّ صوتي انحبس في صدري المنهك، وانكفأتُ على إزارها. ولا
أدري كم دهراً مضى حين رأيتني على سريرها، وهي مستلقية الى
جانبي تعبثُ بشعر رأسي كي أفيق:-
- لا تخف. لن يصل أحدٌ اليكَ هنا.
جفلتُ مثل مَنْ لدغَهُ كابوس، غير مصدقٍ أنني أرفُلُ
بسريرها:-
- لماذا تأويني؟!
- ولِمَ لا أؤيكَ؟! لقد هذيت لي بقصتكَ، وأحسستكَ تشبهني.
أنتَ لم تأتِ لي، لقد أتيتَ لنا، أنتَ وأنا.
- ألن تحوليني الى كائن من الفخّار.
- منْ مثلُك لا أحيله إلاّ الى زنبقةٍ ألوّن بها ضفائر
غربتي.
- ما الذي هذيتُ به لتصطفيني؟!
- لا عليك.
وسَحَبَتْ يدي كي أنهضَ من السرير، ثم قادتني الى النهر.
وعارياً من كل الكلاب، سبحتُ معها، تحيطنا زغاريد الأشجار
وتهزنا دفوف النهر.
رقصنا رقصة اليُتْم الأخيرة، والتأمنا معاً في ابوّةِ
الماء وأمومة الخضرة، اخترنا لمملكتنا الوليدة اسماً لا
يكبر عن حدِّ الطفولة، لكي نظل نعبث بالوقت كبالونة
مرزكشةٍ بشقاوتنا التي خسرناها منذ حبلنا السري. ها أنا
أحضنكِ بين ذراعيّ، ثم أقذفُ بكِ لأغصان الشجر كي تقطفي لي
ثمر الهذيان الذي تلاقح مع الوشوشات التي أسمعتني إياكِ.
كلانا يهذي لكي ينجو بجلده من النباح الغامق، وليفرّ الى
هديل البوح.
انتِ التي أوتني يداكِ، فأفعمتْ ساقيَّ ببوصلة طريقكِ،
ولولاكِ لقبرّتني الصحراءُ بأردانها. قشعتِ الضباب عن زجاج
هروبي، وأطلقتني في بخور نصاعتكِ، لأتحرر بطيورك من
قضبانهم. مأسوراً بثورتكِ الهادئة، أصرخ بالشجر لتسجل على
جذوعها عمري الملتفّ بعمرك، وليصبَّ النهر سباحتي لكِ. وها
أنا أحيي لكِ المملكة التي يتقاطر حولها الذئاب وينهش
أطرافها الضباع، لأكون ذئبكِ وضبعكِ، فهل تقبلين أنيابي.
- افترسني.
ودون أن أصغي لدماري، غمستُ هروبي بعزلتكِ، فسال من سرِّكِ
خيط أبيضٌ، مكثتُ في ظله الى أن انفجرتْ صرخةٌ من فتائل
شفتيكِ.
- أحبك.
أسلمتُ كلّ مقاليدي لفضائكِ، وبعدها أعلنتُ أنني لا أستحق
زنبقتكِ، ورجوتكِ أن تحيليني الى فخّار، لكنكِ هززت برأسك.
- أريدكَ أن تسبح معي أكثر.
كنتُ واثقاً أن الكلاب ستشم رائحتي، وأنها ستفسد على
المليكة عزلتها، لذلك واصلتُ هربي.
وفي حرِّ صحراء جديدةٍ، مزقتُ قميصي بغية الهواء، فوجدتها
تنبثق من منابتِ شعر صدري:-
- أتتركني بعد ما مخرتُ بكَ موج التيه ، واستأنستُ لجنّك؟!
- تركتكِ لشجرةٍ تتنفس سنواتكِ، ولنهرٍ يصب جواهره في
حضنكِ. ولستُ أوازي دبيبهما في فلككِ.
- أرجع، أرجوك.
- كيف أرجع وجُثتي قد مزّقتها سياط صمتك؟!
- سأجيبكَ بأغنية تحبها. تعال.
- لا. أحبي مملكتكِ بدوني. لقد أدمنتُ الصراخ على
الجلادين، أم تراكِ تريدين أن تشتري دمي مثلهم؟!
- أتعرفْ كم يساوي دمك عندي؟! أتعرف أنه يوازي كل الدماء
التي ساحت تحت أقدام فتوحاتي، والتي كنتُ أبحثُ في روائحها
عن رجل يفتتح دمي، فلا تهرب مني.
مزقتُ كل ملابسي، وصرتُ أصرخ في كل اتجاه، الى أن تجمدتْ
أطراف الصحراء. وفي غفلةٍ، انهمرت كل سهام الجلادين دفعة
واحدة الى صدري. ورأيت روحي تصعد، عالياً لملكوتكِ. بلا
ثمنٍ لأشجاركِ ونهركِ وسريركِ.
العودة لصفحة القصص
الذهاب للرئيسية |