الرئيسية

المنتديات

قصص أدبية

الشعر العربي

 

 

 

 

     

 

ثرثرة

للقاص: عماد العباد

عندما أفقت, في تلك اللحظة , أحسست بضباب هائل يكتنف تلافيف دماغي وكأنني أستنشق غيماً, وظننت بأن رأسي قد تحول إلى قذيفة مدفع قديم .. رويداً رويداً خدمتني ذاكرتي بأن أعادت لي بشكل مشوه المشهد الأخير من الحادث الذي تعرضت له قبل أن أفقد الوعي .. وتوصلت إلى نتيجة منطقية مفادها أنني في تلك اللحظة كنت أرقد في غرفة العناية الفائقة, خصوصا وأن أصوات الأجهزة الكثيرة التي تحفل بها الغرفة تكاد تصم أذنيّ..بدأت في تقييم وضعي .. حسناً.. لم أستطع فتح جفني ولاتحريك قدمي ولاتحريك..... لكي أوجز دعني أقول بأنني كنت أشبه الإنسان الطبيعي في شيء واحد فقط .. حاسة السمع , وما عداها معطل !!

انتبهت على صوت باب الغرفة يفتح فجأة, دلف شخصان ,كان والدي أحدهما على الأرجح..بعد دقائق من الصمت تخللها نشيج أبى المتقطع,شرع الشخص الآخر في الكلام بأسلوب مقيت :-

- سيدي, يؤسفني حقيقة أن ..أن.. أن أكرر ما قلته لك آنفاً من أن ابنك متوفى دماغياً...

جاءتني استفهامات سريعة وصاعقة من أعضاء جسدي حول صحة ما قاله الرجل...أردف..

- سيدي.. ما يفصله عن الموت هو بعض السويعات فقط, وخلال هذا الوقت الوجيز نستطيع الاستفادة من بعض أعضائه لأشخاص في أمس الحاجة إليها.

أحسست بقلبي يريد أن يقفز من مكانه ليضرع أمام أبى بأن لا يصدق حرفا واحدا مما قاله هذا الرجل..لم أكن أتخيل في لحظة من لحظات حياتي, ولا حتى في أبشع الكوابيس ,أن يأتي يوم من الأيام تسلب فيه كبدي وكليتاي وعيناي وأنا لازلت على قيد الحياة!!

وضع أبى يده برفق بالغ على صدري وقال بصوته الحازم :-

- مادام الهواء يدخل إلى صدره ويخرج فلن أسمح لكم بأن تمسّوا شعرة منه.

فجّر والدي قراره وخرج.

بعد ساعات وفي أول الليل بالتحديد شعرت بخطوات ثقيلة تقترب من سريري..أمسكت يدان بذراعي ودست فيها إبرة كبيرة ..انزوت روحي في ركن قصي من أركان جسدي ..عاد السواد الكثيف يلف رأسي وعدت أستنشق الغيم وأتوسده "

بعد أن انتهى من سرد قصته التفت إلى جليسه وسأله :-

- وأنت.. ما قصة موتك..؟

 

العودة لصفحة القصص

الذهاب للرئيسية