|
وميض البرق
للقاص : جعفر البحراني
خائفٌ لسنوات طويلة.. قابعٌ
تحت السقوف.. ترهقني الهواجس، وترعبني صور الخيالات التي
تتراءى في كل موسم.
الخوف الطفولي تغذيه خرافات
الجدات وأساطير القدماء، لكنه يتضائل كلما كبرنا، أما هذا
الخوف فكان يكبر معي وتكبر معه الخيالات والتوجسات. فلم
تكن الحكايات العتيقة التي تسردها الجدات لنا عن الجن
والعفاريت والسحرة كافية لأن تقودني للخوف، بل قذفتني في
لجة الهلع توصياتهن الخائفة وتوصيفاتهن المتكررة.. ذلك
الهلع الهستيري الذي سكن قلبي لسنوات، كان يجعلني أركض بكل
ما أوتيت من قوة للوقوف تحت سقف يظلني بالآمن والطمأنينة.
مشكلتي أني ولدت البكر، بل
الكبير المرهون بكل المسؤوليات.. شرعية وقانونية
واجتماعية.. أنا الجديد الذي خضع لتجربة جديدة في عالم
جديد عند شخصين يخوضان تجربتهما الأولى في التربية.. كم
كرهت بكورتي وكرهت كوني الأكبر.
أحمي أخوتي وأدافع عنهم ولا
زلت أفعل ذلك، لكني لا أجد من يدافع عني.. الكبير الذي
يتحمل زلات الصغار، والبكر الذي تعلق عليه التكاليف،
والبكر الذي يجب ألا يكون في العراء أثناء سقوط المطر أو
عند هدير الرعد ووميض الصواعق.
كل موسم أتلقى مزيدا من
التوصيات ومزيدا من التوصيفات وكثيرا من الخوف الذي كان
يكبر في داخلي عاما بعد عام.
لا تقف في العراء أبدا عندما
يهطل المطر كي لا تأخذك البرقة.. هكذا كانت التوصية وتلك
كانت التوصيفة.. أنت البكر.. البرق لا يخطف إلا الولد
البكر.. أقول كيف؟! يقولون: يأخذك البرق فلا نراك أبدا..
كان السؤال يكبر ويكبر معه الخوف.
في كل موسم تراني أركض كلما
بدأت قطرات المطر بالانهمار أبحث عن سقف.. طفل صغير يرتمي
في حجر جدته أو فوق صدر أمه، وكان أخوتي الصغار يتضاحكون
من سلوكي وهم يتلاعبون تحت ماء المطر فيما أراقبهم خائفا
متخفيا، أسمعهم يرددون أناشيد المطر.. كم أحببت تلك
الصورة.. المطر ينهمر وأنت تقف في العراء تردد الأناشيد،
تارة ترفع وجهك للسماء مغمضا عينيك، فاتحا فاك على اتساعه،
لاستقبال قطرات المطر العذبة، وتارة ترخيه والمطر يبللك
ويتقاطر من جسمك، وفرقعة كبيرة يتبعها هدير ضخم كدحرجة
الحجر على سطح تنك، وعروق زرقاء تكسر صفحة السماء المتشكلة
بدمى قطنية بيضا ورمادية.. فيما تردد كالكبار زيده وأرحم
عبيدك.
ذات يوم ماطر عندما شاهدتني
أختي ذات السنوات الأربع، أهرول مسرعا للوقوف تحت سقف
يحميني من المطر، قالت لي وأنا أستشعر براءتها وهي تقف تحت
المطر.. أنظر.. أنا لا أخاف.. تعال.. لماذا أنت خائف؟!
أضحكتني كلماتها وأبكتني في الوقت نفسه، فماذا يمكن أن
أقول لها.
بقدر ما كنت ناقما من بكورتي
نقمت أيضا من الخياطين.. فالصورة المخيفة التي ترتسم في
مخيلتي هي أن البرق يرفعني بمخطاف أو عكاز من مشجب الثوب
أو القميص الذي يتركه الخياط خلف العنق، ولهذا كنت أقوم
بقطعه عندما ألبس ثوبا أو قميصا جديدا.. كانت أمي تغضب
عندما تراه بدون مشجب، خصوصا عندما يترك نزعه بعض التمزقات.
كانت مخاوفي تزداد من وجود
المشجب وكنت لا أبوح بهذه المخاوف لأحد، لكني ذات يوم
عندما نزعت مشجب ثوب العيد فأتلفت جزء منه، غضبت أمي كثيرا
وأصرت على معرفة سبب قطعي له، وكانت تلومني كثيرا كوني
أقطعه، فلما أخبرتها بهواجسي انفرجت أساريرها عن ضحكة فيما
بقي وجهي يحمل ملامح الدهشة.
العودة لصفحة القصص
الذهاب للرئيسية |